أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

253

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ضبّاط الجيش الذين قادوا الانقلاب وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم . وقد شكّل هؤلاء الضبّاط حكومتهم من شخصيّات سياسيّة معروفة ومتباينة في المشارب والاتّجاهات ، وقامت في الأشهر الأولى بإنجازات أكسبت رئيسها قاسم محبّة وودّ الجماهير . ومن هذه المنجزات الانسحاب من حلف بغداد وإغلاق القواعد البريطانيّة في العراق . وفي مقابل مشاعر الكره والاستياء لدى الشعب العراقي تجاه النظام البائد والاستعمار البريطاني ، أبدى هذا الشعب بالغَ الحبّ والتقدير لقاسم الذي تحوّل إلى بطلٍ وطنيٍّ بين عشيّة وضحاها . ورغبةً من قاسم في الاستحواذ على مقاليد الحكم وتسيير دفّة القيادة السياسيّة حسب مآربه ولزيادة شعبيّته ، قام باستعمال الشيوعيّين الذين كانوا من أكثر الأحزاب تنظيماً آنذاك ، وكان الهدف هو تصفية زملائه الضبّاط في القيادة ( الانقلابيّة ) والذين كانوا يناصرون الحركة القوميّة العربيّة . وفي خضم هذه الأحداث وما تبعها من محاولة بعض الضبّاط القوميّين القيام بمحاولة انقلاب ضدّ قاسم ، دارت معارك في معظم مدن العراق الرئيسيّة وأهمّها الموصل وكركوك سفكت فيها دماء كثيرة ، وكانت الغلبة فيها للشيوعيّين الذين استغلّوا تأييد قاسم لهم بزيادة رصيدهم الشعبي وتحريك الجماهير وفق مآربهم . وقد وجدت المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة نفسها أمام تحدٍّ سافرٍ من قوى سياسيّة ملحدة في المجتمع لا يمكن للقيادة الدينيّة أن تتغاضى عن تصرّفاتها وتتركها تعبث على هواها ، حيث سوف تنجح هذه القوى في إماتة الروح الدينيّة لدى أفراد الشعب . وبالفعل فقد دقّت بعض المؤشّرات نواقيس الخطر على هذه الظاهرة الخطيرة : أوّلًا : كان إصدار الحكومة قانون الأحوال المدنيّة ( الشخصيّة ) الجديد والذي كانت بعض بنوده مخالفة لأحكام الشريعة الإسلاميّة وخاصّةً تلك البنود التي تعالج الإرث وحقوق المرأة . ولم يثر القانون أيّة ردود فعل شعبيّة ضدّه ، ممّا يؤكّد أنّ عموم الشعب كان يتقبّل الموجة العلمانيّة وحملات مهاجمة الدين والمتديّنين التي كان يرعاها النظام . ولم تفلح إدانات العلماء العلنيّة عن ثني حكومة قاسم عن رأيها ، ومضت قدماً في قانونها المخالف للإسلام . ثانياً : استمرّت الدعاية الشيوعيّة في هجومها على المؤسّسة الدينيّة واصفةً إيّاها بالرجعيّة ، كما شنّت حملتها الإعلاميّة على الفكر الديني باعتباره عقبةً كَأْداء في طريق نهضة وتطوّر الشعوب . وقد وجدت هذه الهجمات الدعائيّة آذاناً صاغيةً لها بين الجماهير ، ووجدت المؤسّسة الدينيّة نفسها عاجزةً في وقتٍ تغلغل الشيوعيّون إليها في المدن المقدّسة كالنجف الأشرف وكربلاء والكاظميّة . والأنكى من ذلك أنّ الشيوعيّين قد نجحوا حتّى في كسب وتنظيم أبناء عوائل معروفة بتديّنها ومحافظتها على التقاليد الدينيّة . وكان لزاماً على المرجعيّة المتمثّلة بالسيّد محسن الحكيم أن تواجه هذا التحدّي الذي كان يهدّد ليس الشيعة وبقية المسلمين في العراق فحسب ، وإنّما الشيعة في كلّ مكان ، حيث يعتبر العراق مركزاً لمدارس إسلاميّة رئيسيّة على مرّ القرون ومقرَّ المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة وأضرحة الكثير من أئمّة أهل البيت ، وأيّة محاولة لإضعاف الروح الإسلاميّة في هذا القطر سيضعف الشيعة في كلّ مكان « 1 » .

--> ( 1 ) الحياة السياسيّة للإمام الصدر : 466 - 468 .